السيد محمد الصدر
175
منة المنان في الدفاع عن القرآن
لكن الوعيد لا يكون من الرحمة ، فهو يهدّد ولا يعمل شيئاً ، وهذا من فضل الله ، فلا يجب الوفاء بالوعيد ، وإنَّما يجب الوفاء بالوعد ، وهذا ( وعيد ) إذن فلا يجب الوفاء به . إذن فكيف نأخذه طريقاً إلى الواقع ، مع أنَّ الوعيد بمعنى أنَّه فعلًا منفّذٌ لهذا الوعيد ، ولعلّه لا ينفّذ ؛ لأنَّه لا يجب الوفاء بالوعيد ، فيكون الوعيد أعمّ من فعليّة تنفيذه ، إذ لعلّه يحصل ولعلّه لا يحصل ، وليس قبيحاً أن لا يحصل ، مع أنَّه يقبح عدم حصول الوعد ؟ قلت : هذا يُجاب عنه بجوابين : الجواب الأوّل : صحيحٌ أنَّه ينبغي أن نفصل بين الفكرتين ، وأنَّ الوعيد لا يجب الوفاء به ، ولكن ما في الآية بحسب اللغة نفهم منه الوعيد ، وفهم الوعيد دائماً يكون طريقاً إلى الواقع ، كما أنَّ الصورة الذهنيّة تكون طريقاً إلى ما هو واقعٌ وما هو خارجي ، فكذلك الوعيد دائماً طريقٌ إلّا فيما ثبت خلافه ، فإذا ثبت أنَّه شملته الرحمة ، فهذا بابٌ آخر ، لكن بحسب الأصل الأوّلي الوعيد نافذٌ . الجواب الثاني : أنَّ الوعيد لا ينفذ على بعض الناس مثلًا ، ولكن نحن نأخذ صورةً واحدةً ، وهي الوعيد الذي يكون واجب التنفيذ ، ومورده إذا مات الإنسان على كفره وعصيانه وعناده ، ولم يتب طيلة حياته ، فمثل هذا الوعيد يجب أن ينفذ . والكلمة الأهمّ في الآية الكريمة هي البشارة ، فلماذا قال : فَبَشِّرْهُمْ ؟ فإنَّها معتادةٌ - أي : البشارة - في الوعد بالخير لا في التهديد ، فكيف يكون ذلك ؟ والمشهور « 1 » - بما فيهم السيّد الطباطبائي ( قدس سره ) - يجيبون بأنَّها للتهكّم
--> ( 1 ) أُنظر : كتاب التسهيل لعلوم التنزيل 466 : 2 ، البحر المحيط في التفسير 101 : 4 ، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم 286 : 1 ، وغيرها .